محمد طاهر الكردي
75
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
من الجانب الجنوبي ، الذي هو مجرى السيل الآن ، فإن الأرض علت ، وامتلأ السيل كله ، إلى أسفل مكة بالتراب ، إلى أن لم يبق للدخول إلى المسجد من الأبواب ، التي في تلك الجهة ، إلا في ثلاث درجات ، بعد أن كانت نحو خمس عشرة درجة ، يصعد منها إلى أن يدخل من الباب إلى المسجد ، وكان هذا السيل يقطع ويحمل ترابه إلى خارج البلد من جهة المسفلة ، في كل عشرة أعوام مرة ، فغفل عنه نحو ثلاثين عاما ، فعلت الأرض ، فجاءت سيول طافحة ليلة الأربعاء ، عاشر جمادى الأول ، سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة ، فدخلت من أبواب المسجد وامتلأ المطاف الشريف ، ووصل الماء إلى حول الكعبة الشريفة ، وعلا إلى أن غطّى الحجر الأسود وجدار الحجر الشريف ، ووصل الماء والطين إلى عتبة الكعبة الشريفة ، وعلا إلى أن قرب من القفل الباب الشريف ، ووقف الماء في الحرم الشريف يوما وليلة ، وما أمكن أداء الصلوات الخمس فتعطّلت الجماعة سبعة أوقات ، وبادر مولانا شيخ الإسلام ناظر الحرم الشريف ، والأمير المعظم المكرم « أحمد بك » أمير العمارة الشريفة ، بخدامهم وعبيدهم وسائر المشدين وخدام الحرم الشريف ، والفقهاء والأعيان والتجّار إلى فتح طريق الماء من أسفل مكة . ثم نظفت وغسل داخل البيت الشريف ، ثم نظف وغسل المطاف الشريف ومقام الحنفي ، ثم أخرجت الأوساخ من الحرم الشريف وكوم الطين أكواما في المسجد ، ثم أخرج ثم فرش المسجد الشريف بالحصباء الجديدة وتعب في ذلك حضرة الأمير أحمد بك وصرف من ماله مبلغا كبيرا . ثم شرع في قطع المسيل وتهبيط أرضه إلى أسفل عشر درجات أو نحوها ، من الجانب الجنوبي ، من المسجد الحرام ، إلى آخر المسفلة ، وهو ممر سيل أعالي مكة ، فصار السيل إذا سال درج بسرعة ، ولم يصل إلى أن يمكنه الدخول إلى المسجد الحرام ، وفعل ذلك أيضا من جهة باب الزيادة ، في الجانب الشمالي ، وهو ممر سيل قعيقعان وحواليه ، وجرى إلى باب الزيادة ولا يصعد إلى باب المسجد ، بل يدخل سردابا واسعا يسمّى العنبة ، ويجري فيه ، إلى أن يخرج من قرب باب إبراهيم ، فيسيل إلى أسفل مكة مع السيل الكبير ، وصان اللّه المسجد الحرام بذلك ، وصارت السيول بعد ذلك تسيل ولا تصل إلى باب المسجد ولا تقرب منه ، وهذا رأي سديد وعمل مهم نافع ، فيصان به المسجد الحرام عن دخول السيول إليه ،